خليل الصفدي

376

أعيان العصر وأعوان النصر

فقطعوها ، فمات - رحمه اللّه تعالى - في الاعتقال بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبعمائة ، وكان يضرب الألف عصا وأكثر ، مات ضربه جماعة منهم باردار من باردارية السلطان ، رآه وهو يسير برّا باب اللوق ، وقد شتم سقاء كان عنده ، وشتم أستاذه فأمسكه ، وأحضره إلى البيت ، وضربه أكثر من ألف عصا ، وقال : ويلك أنت والسقاء تخاصمتما ، أنا أيش كنت في الوسط ! ، وكانت هذه الواقعة إحدى الذنوب التي عدّها السلطان عليه . ومنها أنه قتل جارية السلطان امرأة بكتمر الحاجب بسبب الميراث ؛ لأن ابنته كانت زوجة بكتمر أيضا ، فضربها ستمائة عصا ، وأشياء غير ذلك ، إلّا أنه كان زائد الكرم والسماح ، تقصر عن مباراته في ذلك هوج الرياح . كان السماط الذي يمده في بيته في العيد نظير سماط السلطان ، وربما يكون أصلف ، وألذ وأطيب وأظرف ، وإذا جرد في مهمّ من الريدانية ، لا يعرف جنديه يشتري طعاما ولا عليقا ، ولا يدري كل يوم إلّا وقد صرف له ما يكفيه من ذلك ، إلى أن يعود إلى الريدانية تعليقا ، وإذا كان لجنديه فرس حمل كفله إلى مطبخه ، فيصرف له من ديوانه ستمائة درهم ، وقد صار عادة لا يشاور عليها ولا يشار إليها ، حتى إن بعضهم تكون فرسه بمائتي درهم ، فيذبحه ويأخذ ذلك المبلغ ، وكان في نيابة الكرك من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة ، وله بها آثار حسنة . 315 - أكرم « 1 » القاضي كريم الدين الصغير ناظر الدولة بالديار المصرية . كان في الجيش أولا ، ولما بقي خاله القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخاص تولّى هو نظر الدولة ، وكان يحبّ الكاتب الأمين ، ويزيد معلومه ، وينقله إلى وظيفة أكبر من التي يباشرها ، وكان يحضر مجلس خاله كريم الدين الكبير ، فيكون واقفا يرفع رجلا ويضع أخرى ، وقد يكون في ذلك المجلس جالسا من لا يمكنه الجلوس في دسته ، وإذا كان في مجلسه هابه الناس وعظّموه . وحكى لي غير واحد ، أن أمراء العشرات وغيرهم من الأمراء يزدحمون في المشي قدّامه ، ويقعون زحاما ، ويقال : إن الملك الناصر لمّا كان في الكرك قال : أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغير يضرب الجند بالعصي ، وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي ، وكان يضرب الناس ضربا سمّوه المقترح ، وهو أن تؤخذ يد الإنسان ويضرب من ورائه على أكتافه ، فإذا

--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 9 / 345 ، والدرر الكامنة : 1 / 400 ، والمنهل الصافي : 3 / 33 .